الصفحة الأساسية » مقالات » حزب وحكومة الأغلبية: الصراع والترياق؟ (تحليل)

حزب وحكومة الأغلبية: الصراع والترياق؟ (تحليل)

3 كانون الثاني (يناير) 2018     10:32      


agrandir

تحرك الفريق البرلماني للحزب الحاكم بتولفة يرأسها الأستاذ سيد محمدولد محم، ليرسل رسائل الى الوزير الأول المهندس يحي ولد حدمين، تحت غطاء انجازات سنة2017. وبالمقابل تحرك الفريق الحكومي، بردات فعل متشنجة كان من أبرزها مقاطعة الحكومة وتعمد إغلاق هواتفها عن احتفالية الحزب ، والحملة الإعلامية المنسقة التي تبين عدم انتظام جلسات الهيئات الحزبية، وتبرز تذمرأعضاء البرلمان من استهزاء الحكومة بمنتخبيها الذين يشرعون ويكررون تمرير ما تريده وما تهواه.

عسير على المحللين فهم حراك الطرفين ،في نهاية المأمورية الثانية الي "الديمقراطية التنافرية " بدل "الديمقراطية التوافقية ّ

ولا يزال الرأي العام في غالبيته لم يفهم،استمرار مفاعيل النزاع بين الوزير الأول ورئيس الحزب الحاكم، بعد أن تخلصوا من غرمائهم ، وأقيل المفسدون لودهم ، وأبعد عنهم أعضاء الحكومة المزعجين، و رؤساء المؤسسات غير المطيعين ، و السفراء والفاعلون والمنتخبون المشاكسون، وحط من شأن رجال السلطة، الذين يصفهم المراقبون بأنهم أكثر حنكة منهم ونزاهة، ويشار إليهم بالبنان: بديلا مقبولا يمكن أن يخلفهم في رئاسة حزب الدولة أو رئاسة الحكومة.

تخلص حلف الأستاذ سيد محمد ولد محم و المهندس يحي ولد حدمين ، في جولاتهم الليلية، وأماسيهم المتكررة، وجلساتهم المغلقة، ومأدبات العشاء المصورة، من العقول المنافسة لنفوذهم، التي خدمت النظام في الفصول الأربعة، وخلا لهم القصر والمصر..فلماذا تفجر الصراع بينهم وأمطرت غيومه؟

يفترض فيمن يعلوا منصات العمل الحكومي وللفعل السياسي للأغلبية في التجارب الديمقراطية أن تأتي بهم شعبية كاسحة أو رؤية ناصعة

الكل يدرك أن النائب الموقر لم ينل الثقة إلا في الدور الثالث من الانتخابات التشريعية، وهي الحالة اليتيمة في البرلمان الحالي، وحال المهندس في الدورات الانتخابية تبينها نتائج البلديات والاستفتاء في مقاطعة جيكني مسقط رأسه.

لقدكانت أمسية الأجنحة الملكية، تحت شعار، تثمين جهد الحزب لسنة2017 فماذا أنجز الحزب حقيقة ؟

تسويق الوزراء والنواب لنتائج التعديلات الدستورية، أمر بدا غير مفهوم من الطرفين، فهم يدخلون السنة الجديدة، بعد أن فشل طرفان معا في احتواء أزمة الأغلبية، وبعد مسار ثلاث سنوات خسرت فيها الأغلبية الرئاسية ما أنجزته من انتخابات توافقية ، ومن شعبية بين الشرائح الفقيرة ، ومن وهج عند الفئات الشبابية،ومن اجماع في مجال الحوارات بين التيارات الوطنية الحاضنة لمشروع المأموريتين.

والحزب الذي يفتخر بنتائج التعديلات الدستورية، كان غائبا بسبب الميزانية الكبيرة التي طلبها كشرط لدخول حلبة النزال، والجهد الانعزالي الذي طبع حضوره خلال سيرها كان كارثيا، والكل يعرف أنه لولا تدخل الرئيس ومعالجته للموقف بنفسه وطاقم ديوانه، وتسييره لمخرجات الحوار لانهار الحزب والمشهد برمته.

كما أن إبعاد الأطر ونفيها من دوائر القرار الحزبي، جعل المتصارعين في الحزب الحاكم والحكومة، يخلون ساحات الصراع السياسي لأجندة المعارضة، مما أدى لاستيلاء طابور أصحاب الولاءات الشخصية والفئوية ،على الأقسام والمقرات الحزبية، والمنظمات الطلابية والشبابية، والمؤسسات الخدمية والمنابرالإعلامية، والمبادرات بكل أشكالها؟

وأمام تقاعد قدماء المحارين للأغلبية قسريا ، وتحول رؤساء أحزاب المعارضة الناصحة السابقين كتابا ومراقبين واقعا ومشهدا، اختار رئيس الحزب الحاكم الهجوم في الوقت الضائع على حليفه ، واستخدم الكتيبة البرلمانية هذه المرة المؤلفة من توليفة غير متجانسة، ورد رأس

الحكومة عليه بردات فعل مقاطعة الوزراء ونواب جهاتهم، وحملة اعلامية موجعة، تذكره باختراقه للنظام الداخلي للحزب ، قبل اتهامه بمحاولة تمزيق نواب الأغلبية بعد تمزيق شيوخها؟

فمن يربح من الطرفين المعركة و المناورة اليوم؟

خرافة وحدة الأغلبية لم تعد تخدع أحدا، والزعم بوجودها بعد تشييع جنازتها في الأجنحة الملكية، بددت تلك الدعاية الرخيصة والمتناقضة، بعد مسلسل اتراجيدي من الصراعات العبثية حولت المهرجين والمخنثين الى مناضلين، ومدافعين عن القيم والمثل؟

طرف ثالث في الأغلبية اختار رفع شعار المأمورية الثالثة والاحتماء به ،هو طرف وزير الاقتصاد والمالية، فهذا الرجل كسب أرقاما في المنازلة بين الحليفين، فهو عبر بالطرفين إلى الحلبة والمنصة، وواءم بين خصوماتهم، وساندهم في كثير من حروبهم، لكنه للأمانة ظل متميزا عنهما بشئ من الأنا، فقد قدم للبلد رؤيته في التوازنات الاقتصادية التقشفية ودافع عنها بقلمه، ونجح في ازالة منافسيه من المشهد في هذا المجال واحدا ورتلا، وتحرك في ميادين الجباية والبحث عن الودائع والادخارمع تذبذبات وتنزيلات، ويمكن أن يكون الآن أقرب الى الوزير الأول في حلبة الملاكمة، لكنه مصارع لايلقي بأوراقه النقدية كلها في صندوق واحد، حتى وان سمي أسودا.

ومن الجلي الآن أن البلد تغيرت عملته السياسية ،وأوراقه النقدية وصناديقه السيادية، وأن رموز المشهد في طرفي الصراع أنهكوا أنفسهم والأغلبية معا، ولم يعد بامكان أحدهما أن يقضي على الآخر بالضربة القاضية، ويخشي أن يقود خلافهم الى الفوضي ّالخلاقة "

إن البيئة التحتية للحزب الحاكم الآن ،لاتسمح بتشكيل حكومة أحزاب لهشاشتها وفشلها، كما أن الواقع الحالى للحكومة لا يؤهلها لأن تجدد المشهد السياسي الوطني لضعف أداء وجاذبية أغلب أعضاءها...

وهذا الوضع يلقي بثقله على سنة صعبة، هي سنة الانتخابات التعددية البرلمانية والبلدية والجهوية ، والبلد بحاجة الى أجنحة متجانسة، لعبور عصر الغاز والارهاب والتدخلات الأجنبية..هذه الأجنحة غير الملكية هي: حكومة كفاءات.. وبرلمان تخصصات.. ومجالس منتخبة قادرة على جلب الاستثمار وجلب التنمية الى أعماق البلد.

فأي حزب حاكم، وأية حكومة توازنات ، يمكن أن يريا النور لانجاز هذا الترياق المشترك من تحالف باء بالفشل الذريع: تحالف الخلاف والتزلف؟ ترياق ازالة الضرر، وهل هناك ضرر أعظم من زرع الخلافات وتأجيج الصراعات؟ والتضحية بالكفاءات؟

ستر الله عيوب الجميع.

بقلم: الدكتور عابدين ولد الراجل

نقلا عن 28 نوفمبر