الصفحة الأساسية » مقالات » الهرولة الى المرابطين .. رسم أم تبرع ؟ * / الشيخ البدوي

الهرولة الى المرابطين .. رسم أم تبرع ؟ * / الشيخ البدوي

8 آذار (مارس) 2019     21:50      


agrandir

فصل جديد يكشف عمق الزيف ، وتأصل اﻷزمة لدينا ، لم أمقت في حياتي شيئا ككرهي الشديد للكذب والتكلف ، ورفضي للتمثيل وخشبات المسرح ، ما أروع اﻹسهام في قضايا اﻷمة ، وما أجمل عطر التضامن الوطني حين يفوح شذاه ، ويهب الجميع متحررا من قيود البخل و أوابد الكسل ، متحرفا لدعم قضية وطنية بماله ووقته ، يدفعه الواجب ويقوده الضمير فقط ، حق اﻷمة أن ينحاز لها المواطن ، و يتبنى همومها بصدق و اخﻻص .
في موريتانيا يتكاثر الفقر ، ويتسبب في انحراف الكثيرين و في تعاستهم و انخراطهم في اﻻرهاب ، وبسببه يعيش البعض في ظلمة السجون ، وتقتله اﻻمراض التافهة ، لم نسمع تضامنا مع أي من هذه اﻷصناف ، في اوساط ساستنا ووزرائنا وتجارنا ونخبنا المتهافتة على التبرع الكروي هذا اليوم . ، في برنامج " ويؤثرون على أنفسهم " رغم حساسية قضاياه واستعجالها لتعلقها بإنقاذ أرواح بشرية يتهددها الفناء بسبب عجزها عن شراء " اﻵسبيرين" ظل التضامن مع هؤﻻء باهتا و ضعيفا ﻻ يعكس وﻻء انساننا لبني جلدته ووطنه .
نداءات كثيرة طرقت اﻷسماع ، و توسﻻت عديدة تستجدي ، دموع تنهمر من حدقات الناس ، جوع وجهل وأمراض في كل مكان من الوطن ، بنات موريتانيات عالقات في اﻻمارات ، طفل مصاب بالسرطان يسلمه ذووه للموت لعجزهم عن عﻻجه ... الخ ، لم يتحرك أي من كرمائنا المتخومين بالوطنية الصارخة اليوم ، ولم تمد يد الى هؤﻻء خبزا ، ولم تمسح دمعا ، ولم تواس مصابا.
ان الوطنية لدينا جزء من ذلك اﻷلق الذي يظل كامنا في أعماقنا ، يسكن في خوالجنا ، ﻻ يستخرجه من القاع سوى غواص ماهر و قوي ، ﻻ يطفوا على السطح و ﻻ تظهر درره إﻻ بعد جهد و تحريك . بل مع طمع وتخويف ، ينداح أمامهما البخل ، وتطوح بهما هامات الكسل ، فينطلق العطاء والسخاء ، ويتجسد التﻻحم و الوطنية في صورة بهية ناصعة ، إنها عرض يباع في وطننا .
مجداف الرئيس السابق ولد الطائع ، جال في المياه ، و خاضها في حمﻻت محو الأمية و انشاء المكتبات ودعم الكتاب ، فبرز الخبئ الجميل و بانت أعﻻم الوطنية مغروزة على هامات وزرائه وساسته ورجال أعماله ، تبرعات بفتح اقسام دراسية لﻷميين والتكفل بمعلميها ، وببناء المكتبات ، حتى القراءة ادعى البعض التبرع بمنحها الوقت الكافي ، فلوحظ اقتناء اﻷمي للكتاب متزينا به او مداريا او متزلفا ، لكن هؤﻻء أغلقوا مدارس اﻷميين وأحرقوا المكتبات ، و تابوا علنا من تلك الفعال وتبرأوا من التبرع ، بعد رحيل ولد الطائع ، وباتت تلك الوطنية لعنة يتعفن في شقائها كل من تمرغ يوما في مزابلها .
إن تزاحم مؤسسات الدولة على الشاشة متبرعة بأموالها العمومية لصالح المرابطين ،ﻻ يعكس حجم اﻹلزام و التوجيه الخفي لهذه الحملة فقط ،بقدرما يبين سر المبالغ التي ألزمت كل جهة بالتيرع بها ، و زادت بﻻدة الوزراء وتقاطرهم بمبلغ معين 500 ألف اوقية ، و 100 الف اوقية من اﻷمناء العامين في فضح اﻷمر وكشف اﻷوامر التي وجهت اليهم للتبرع يهذا الميلغ تحديدا ، لم يزد وزير على خمسمائة الف ولم ينقص آخر عنها ، إنهم اليوم يتبرأون من التبرع ، و تعترف المبالغ المتساوية صراحة ، وتحكي بأن اﻹرادة والتلقائية واﻹختيار لم يكن لها حضور في هذه الحملة الوطنية ، إذ لم يكن وزراء دولة في أي زمان وﻻ مكان متساوين من حيث اﻹمكانات ، و ﻻ في ذات الدرجة من اﻹهتمام ، و هم بالطبع متفاوتون في الكرم والسخاء ، الشيئ الذي لم يكن له أثر مع خمسمائة على كل وزير ومائة على كل أمين عام ، وهكذا .
ان التبرع عمل ارادي يسعى اﻹنسان إليه ، يتحرق ويشتعل وﻻ يهدأ له حال حتى يقوم به ، و في جهد المقل كفاية عن التعلق باﻷغنياء ومحاكاتهم ، إذ ﻻ يمتح من خزائنهم ، وﻻ ينفق من جيوبهم ، فالجميع متساوون فقط أمام الرسوم كما في أثمان جوازات السفر ووثائق الحالة المدنية مثﻻ . والفرق بين اﻹثنين في المفهوم واضح ، لكن العين تقرأ والعقل يعي حجم التشابك والتداخل بين الشيئين في الحال.
الشاشة توثق اليوم لهذا التمثيل التافه ، وتكتبه بالصوت والصورة ، وإذا كان كل متبرع اليوم يتهلل مسرورا ، ويرى في استعداده و سبقه حز في المفصل ووضع للهناء مواضع النقب ، فإن قادم اﻷيام قد يحيل سرور اليوم وبهجته الى حزن وأسى ، وقد جرى القلم بما كان ، لم يحظ المرابطون بدعم القلوب في هذا السباق ، وليس اﻷمر سوى محطة و بريد أرسل عبره التواصليون والتحالف والوئام وفلول اﻷغلبية رسائل اﻹنحناء والهرولة ، وﻻ يزال التكتل وغيره من طيف الرفض المطلق يجفف الدموع تطحنه الحيرة و اﻷسف على فوات القطار ، فهم أرباب هذا الفن وأسياده ، ومن عبقرياتهم تفتقت أزهاره في اﻷمية والكتاب مع المخرج اﻷسبق ولد الطائع .
حديث مع النفس وحوار ثائر يدور بخلدي ، كراهيتي ومقتي لهذه المساحيق التي يجمل البعض بها قبحه وتجاعيده المثيرة ، وحيرتي من سفاهة الجموع المصفوفة أمام منصة التبرع ، فإذا بالدهشة تصرعني و تغتالني حين سمعت إعﻻنا بتبرعي ..و انا وقتها في رحلة استشفائية.. و آﻻف اﻷميال تفصلني عن المكانين ، لم أوثق وكالة ولم أمض عهدا وﻻ تكليفا للتبرع عني ، لكنهم اسوة بالغير تعاونوا على جمع مبلغ و سجلوه باسمي .. أرادوا حسنا وأساؤوا علي من غير قصد .

الشيخ البدوي

* مقال مكتوب مطلع عام 2014 بمناسبة التبرع وقتها لصالح المرابطين