الصفحة الأساسية » مقالات » اعصار كورونا .. موت الأخلاق و نهاية العولمة / آدو ببانه

اعصار كورونا .. موت الأخلاق و نهاية العولمة / آدو ببانه

25 آذار (مارس) 2020     23:29      


agrandir

يعمد الافراد عادة و تندفع المجتمعات .. في أزمنة المحن و في اوقات الهزات .. الى الطي المؤقت للخلافات و تأجيل النزاعات .. ، تصحوا الضمائر و تزهوا .. ، و يتسابق الجميع لتنمية الروابط .. ، و تعزيز التعاون و التناصر و التآزر .. إلى أن تنجلي الغمة و تنطفئ الحرقة و تندمل الجراح .. ، و التضامن الناشئ في مثل هذه الحالات يحدث أنماطا من الروابط تحد من طغيان الشطط و النزعات الفردية .. و يندحر في ظلها العسف و الجور النابعين من غرائز التوق الى المنافع و اشتهاء المصالح و تقديسها و الميل إليها .. ، و حينها تتهادى البشرية خلف علاقات تخطها الضمائر المرتوية بالإنسانية و بالانحياز لأخلاقها و مبادئها .. فتندك المصالح و تنهدم الذوات .. ، و تضج الحياة باللطف و يغمرها اللين و يغشاها التحنن و المواساة .. و تنطمس فيها الخشونة و ينكسر الطمع و ينفل الحقد و الاجتواء .
و في عصر العولمة الذي باتت الدول فيه تقترب في علاقة بعضها بالآخر من حالة الأفراد داخل المجتمع الواحد .. بل و تتماثل معها إلى حد بعيد فإن دول العالم ينبغي أن تكون محكومة في علاقاتها بهذا المنطق .. خاصة بالنسبة للعالم المتقدم الذي يعزف دوما على هذا الوتر و يطرب و يرقص لدوي صوته و ألحانه .

لقد شكل اعصار كورونا الذي يضرب العالم و يؤذي الحياة في هذه الأيام امتحانا لبعض الأفراد و لبعض دول العالم في التعاطي مع ظرف جائحته ..، و بشكل أكثر تحديدا فإنه قد ترك تساؤلات مفتوحة .. قسمت فئة التجار على المستويات المحلية الى فسطاطين في تعلقهم بالمبادئ و الاخلاق .. اذ عمد البعض منهم الى انتهاز ظرفه متعلقين بمقولة ( مصائب قوم عند قوم فوائد ) ، و غار من وجوههم ماء الحياء .. فاستغلوا حالة الذعر و الهلع لرفع الأسعار و تطفيف المكاييل و الغش و التزييف و الاحتكار و المضاربة و التهريب .. سبيلا للتربح ، و مراكمة المكاسب و المغانم الحاصلة من رحم الاوجاع و النزيف ؟ و على المستوى الدولي فقد ظل سيل التساؤلات مدمدما في العقول جارفا فيها ..، فهل كانت اسرائيل مقنعة أخلاقيا في صلفها و تعنتها في الإبقاء على الحصار المضروب على قطاع غزة المكلوم .. ؟ و هل غاب عنها أن تغول الوباء داخل القطاع القابع في درك البلاء و في أوار المحنة منذر بإطالة أمد المعركة مع الداء مع ما في ذلك من تكاليف بشرية و مادية قد تخرج إليها مسبباته و تلتهمها في كل حين .. ؟ أليس في هذا الظرف ما يكفي من أسباب للجنوح لمنطق الإنسانية و إخماد للغطرسة و إرجائها لوقت موافق ؟ و هل كان الوقت مناسبا لقيام آمريكا برشق الصين في هذا الحال العصيب بالاتهامات المبطنة و بالتشفي الكريه " فيروس الصين و غيرها " ؟ و هل تليق النكاية و الثأر من المبتلى ؟ ، و هل كانت ايطاليا و اسبانيا تتعاملان حسبما يتردد بأسلوب أخلاقي و حضاري في تمييزهما بين المرضى لمنح الأولوية في العلاج على أساس السن .. ؟ ألم تخفق دول الاتحاد الاوروبي في تعاملها مع ايطاليا و اسبانيا ؟ ألا يعتبر نسفا لمبدأ العولمة ما تقوم به اليوم بعض الدول من منع للمساعدات عن البعض الآخر .. و انكفائها على ذاتها .. ، و اندفاعها الى تكديس معداتها الطبية في مخازنها تحسبا لأي طارئ .. ؟ ، و في اي اطار يفهم العالم ما يتردد في الاعلام من قرصنة رسمية لبعض الدول على معدات غيرها ( مصادرة التشيك لشحنة كمامات موجهة من الصين إلى ايطاليا ، و اعلان وزير التجارة التونسي عن سرقة الايطاليين في عرض البحر لباخرة كانت متجهة إلى تونس محملة بالكحول الطبيّة ) ؟ ، ألا يعتبر الإغلاق المطلق للحدود بين الدول ، و وقف كافة اشكال الإمدادات في ظرف حرج كهذا خرقا لثقافة التضامن بين الشعوب و الأمم .. و خذلانا للدول النامية و تخليا عن نجدتها في أحلك الاوقات ؟ ألا يحتاج العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التشاور و التعاون و الترابط لدرإ هذا الخطر المشترك ؟ ألم يكن في مكنة الدول العظمى أن توظف ما لديها من تفوق و قدرات تكنولوجية لإبتكار حل ابداعي يقيم عزلا مرنا بين الدول يجمع بين تأمين الصحة العامة و الإبقاء على ما تستدعيه مقتضيات اللحظة من تعاون و تضامن ؟ خاصة إذا ما استعرنا منطق المصلحة الحاسم في أن زوال خطر الاوبئة عن أي بلد يقوم عند اجتثاثه عن غيره من البلدان .. و طالما أن حرائقه لا تزال مشتعلة في اي بلد مهما كان بعده جغرافيا و مهما كانت عزلته و انعزاله فإنه لا أمان منها .. ، اذ قد تطير جذوة من حرائقه فتذكي لهيبا في دولة أخرى .. و يضرم شهاب منه نارا في جهة أخرى ..

ان الأخلاق السوية تمج ما ينتشر في هذه الآونة من اسراف في النكت و الفكاهة و الدعابة و كأن البشرية في ظرف عادي ، و المتحتم الاستعاضة عن ذلك على المستويات الفردية بمشاطرة المرضى و ذويهم مشاعرهم .. و مقاسمتهم آهات الالم و اوجاع التوعك و الاعتلال .. ، و بطرق ابواب السماء و الابتهال و التضرع بالدعاء لخالق الداء لكشف الضر و ازالة البأساء .. ، كما تقضي حساسية الوقت قدرا من الجدية في تعاون خبرات العالم و توجهها مجتمعة و بصورة مكثفة إلى المخابر و الدراسات و مضاعفة الجهود للوقوف على أسرار هذا المرض العضال سبيلا لإكتشاف ما يلزم له من دواء .. بدل انفراد كل دولة بجهدها لتستأثر وحدها بالأرباح الناجمة عن اكتشاف قد يطول وقته و قد يعز عليها بمفردها .
و إلى أن يحين ذلك فإن الواقع الماثل في الحال يدعونا في منكبنا البرزخي إلى التحلي بالمسؤولية و التقيد الصارم بتوجيهات الضبط الوقائي المعلنة من الجهات المختصة .. ، و اتخاذ الحيطة و التخلي عن أي استهتار أو تردد في هذا السبيل من غير تهويل و لا تضخيم .. ، ذلك أنه قد تعين علينا أن نواجه هذا الوباء في بلدنا بوسائلنا و بإمكاناتنا الذاتية .. و قد شاهدنا آثاره المأساوية و مخالبه الضارية و نتائجه المنهكة في البلدان المتقدمة .. و التي لا تزال رغم ما لديها من جاهزية أعلى منا مشدوهة حائرة عاجزة عن مواجهته .. ، و لن نكسر شأفته إلا بفضل الله سبحانه و تعالى ثم بالنظافة و بالعزل الطوعي كتوصيتين نبويتين .. ، فضلا عن ما أفادت به التجارب و الأبحاث العلمية من فعاليتهما في لجم المرض .. ، كما تجب العناية الرسمية و الاهتمام الشعبي بشرائح واسعة منا أقعدها حظر الحركة المقرر للحماية من انتقال العدوى عن مزاولة أنشطتها .. او تأثرت بسببه .. ، فالتخاذل عن نجدتهم و امدادهم بما يحتاجونه يوميا اضاعة للواجب و تضييع للأخوة .

إن محنة كورونا لم تقتصر آثارها فقط على تكبيد العالم خسائر في الأرواح .. و لا على طحنها للاقتصاد العالمي .. بل إنها أبانت المستور من الأخلاق ، اذ كشفت علنا هشاشة و ضعفا في بعض السلوكيات .. ، و اجهزت بصورة مذهلة على العولمة التي كانت و الى حد قريب اكثر الأغاني صخبا و ضجيجا .. و أسوأ الذرائع للنيل من سيادات الدول و قهر خصوصياتها الحضارية و التاريخية بحجة ثنائية الضعف و التفوق و الحاجة إلى التعاون ..

سينكشف الأسى قريبا ان شاء الله تعالى و سترتفع غيوم الترح و الجوى عن الأرض و الانسان .. ، و سيكتب التاريخ في دفاتره زلل النهم و خيبة الجشع لدى بعض التجار . . ، و ستحكي مدوناته عجز التجبر و التطاول عن بناء حضارة تطبعها المسؤولية الاخلاقية .. ، و ان تجريد المواقف من المثل .. و تعريتها من الاخلاق هو الفشل و الخسران الذي يحبط قيام التضامن بين الافراد كقيمة سلوكية مثلى .. و يعرقل قيام نظام عالمي تسعد فيه البشرية بالتضامن و التعاون في حضن المدنية الحقة .. و في كنف حضارة صلبة لا تتهاوى اعمدتها تحت القصف و الأعاصير .. و سيسفر ليل الأزمة عن شروق فجر جديد يشهد فيه العالم نظاما مختلفا في التراتبية و في نمط الثقافة و التنظيم ... ستتراجع دول عن مكانتها و ستتقدم أخرى .. ، فالمحن التي لا تقتل تقوي .. و الشدائد تصنع العظمة و التفوق .. ، سينقشع هذا الدخان عن تشكل نظام عالمي جديد يستند على منطق مغاير لما كان سائدا في مجالات الأمن و الاقتصاد و السياسة و الاجتماع .. ، فالتهنئة لدولة الصين الشعبية على تصدرها للمشهد القادم .. و ألف تحية لكل دول عالمنا العربي و الإسلامي الذي برهن في هذا الظرف الخاص على قدرات عالية على التحرك السريع الناجع و الانضباط في جميع الخطوات مع ايقاع المسؤولية الاخلاقية و المآثر الحسنة ..
و لا شك أن تبوأ المكانة اللائقة في مرحلة ما بعد الكورونا مرتبط في شق منه بهذه النجاحات ، و في الشق الآخر بجودة الاستعداد للحد من آثارها السلبية .. ، و دولنا بلا شك ستحسن الخروج كما أحسنت الدخول بفضل الله سبحانه و تعالى .. ، فانتهاجها لمسالك الجدية و الصرامة في المعترك الحالي كاشف عن جلال لهفتها و عظمة تطلعها لحوز الظفر و الانتصار .. ، فضلا عن ما يعطيها الموقع و التاريخ و يمنحها الاقتصاد المتنوع من فرص واعدة في هذا الاتجاه .. و لا حدود للطموح و لا نهاية لسقفه طالما ان الإرادة قائمة و العزم ناهض ..

القاضي آدو ببانه


تابعونا على تويتر فيس بوك




فيديو

‏سافرت مع فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزوانى الى السعودية،ورافقته في الانشطة الخاصة بالعبادة،بمكة المكرمة،والمدينةالمنورة،وأيضا اجتماع الجالية،وقد أبان عن أداء متميز بالاخلاق، والتواضع،والانسانية،كما هي عادة كريم الاصل،"
ولكن كريمُ الاصل كالغصن كلما..تحمّل أثمارا تواضع وانْحَنى"




PUB

افتتاحية

الحق ابلج و الباطل لجلج ..


كلمة في حق مولاي


مجرد خاطرة .. مجرد خاطرة ..



مقالات

لَا..لا تَحُلُّوا أحزِمَةَ الوقَايَةِ من كورونا / المختار ولد داهى


دعوة إلى الحكومة و الأحزاب السياسية و المجتمع المدني/بقلم السفيرالتجانى محمد الكريم


ثقوبٌ على جدران الخطاب... / عيسى ول أعليت