الصفحة الأساسية » افتتاحية » الإرهابيون.. حقوقيون في وجه العدالة

الإرهابيون.. حقوقيون في وجه العدالة

27 كانون الثاني (يناير) 2015     22:42      


agrandir

ان سحب الغموض باتت تلف حقائق موريتانيا بين طبقاتها الكثيفة ، وتبتلع الوضوح في جوفها العميق ، لم تعد اﻻشياء تدل على مسمياتها ، وﻻ العناوين الكبيرة تحكم الموضوعات ، وﻻ الملامح الفظة او الوديعة تعني شيئا بالنسبة للطبائع و السلوك ، وﻻ اللحى و ارتياد المساجد يعنيان الاستقامة والنقاء ، وﻻ طهر الضمير و بياض الكف يمنحان السلامة ، لم أعد أفهم شيئا في موريتانيا في ضوء اﻷسماء والعناوين و اﻷشياء الظاهرة ، كل شيئ بات عصيا على اﻻدراك ، ومتمنعا عن الفهم الصحيح .
فالحوار مثلا ركيزة اساسية في بناء اﻻنظمة الديموقراطية و قيام مجتمعات الحداثة ، و المطالبة به والموافقة عليه من القيم الحضارية التي ترسخ قواعد السلم و اﻻستقرر ، وتفتح اﻻبواب مشرعة للنهضة والنمو ، وإذا كان فرقاء السياسة في موريتانيا يدركون نظريا أن الحوار هو اﻷسلوب اﻷرقى لحل خلافات الشركاء ، وأنه ضرورة متحتمة ، فإن الدعوة إليه و اﻹستجابة له من أي طيف سياسي مسألة منتظرة ومفهومة ، لكن المريب حقا هو ان ترى بوضوح ﻻ لبس فيه أن الدعوة الى الحوار ، ﻻ تعني النداء له و ﻻ الندب إليه ، وأن " اﻻ ستجابة " ﻻ تعني الدﻻلة اللغوية لهذا اﻻشتقاق من اصله ، إنه شيئ آخر عميق يشبه اﻷحاجي واﻷلغاز وحكايات ألف ليلة وليلة وغرائب كليلة ودمنه ، ولد داداه ومسعود وولد مولود وغيرهم من الوجوه واﻷسماء اﻷخرى المعارضة والموالية تصرخ فينا كل صباح و مساء طالبة الحوار ، لكن الظاهر من الحال ان ﻻ أحد منهم يريده حقا .
اﻷميون على منابر النقاش والتحليل و التوجيه و التنظير ، والمثقفون والعلماء يستمعون كرها لهراءاتهم على الشاشات في البرامج التلفزيونية السخيفة ، واﻻعلام يغتال بالتسول واﻻبتزاز والنزق والطيش صاحبة الجلالة ، عاريا من المهنية و يسلق بالبهتان واﻻكاذيب كل وضيئ جميل ، ويصور الفحم ذهبا ، و المفسد المعروف يتبختر في جلباب اﻻصلاح واعظا ومرشدا ، ويبيع صكوك الغفران و يمنحها على الوﻻء و الهوى ، والمصلح اﻻمين متهم مسلوق على اﻷلسنة ، كل شيئ بدى مناقضا لجوهره وحقيقته .
آخر شيئ في ابداعات واقعنا المتناقض المر ، عار كبير و هزيمة نكراء للحرس والعدالة ، ليس فقط لأنهما خضعا في معركتهما ليلة اول امس ﻻملاءات اﻻرهابيين ، وانما ﻷن اﻻرهاب أصلا كجريمة سوداء تعادي الحياة و ﻻ تعترف بالحق وﻻ القانون ، بات اليوم متهموه كمن يفرضون بجسارتهم احترام القانون ، ويسرجون الخيول في غزواتهم ليس لحرق المتاجر و المدارس و المستشفيات وقتل اﻻطفال والنساء و اﻵمنين ، و ﻻ ﻹفساد الحياة و التضاد مع القانون ، و انما لرد اﻻعتبار للقانون وحمايته من بطش الجهات المؤتمنة على فرض احترامه ، فالقانون يجرم اﻻعتقال بغير سبب شرعي ، وانتهاء المحكومية ينتفي بالتزامن معه حق السلطة في الاعتقال إذا لم يكن المتهم يخضع لبطاقة أخرى بحبسه ، والمفروض أن تكون العدالة مع القانون ﻻ ان تكون عليه ، وإذا لم يكن ذلك كذلك فإن آخر من ننتظر انحيازه للقانون وانتصاره للحريات هو التطرف و الارهاب ، فهل هؤﻻء المتهمون هم ارهابيون حقا ؟ أم ان وجودهم في ذلك الصف ﻻ يعدوا كونه مظهرا من تلك المظاهر التي يمتلآ بها الواقع وتضج بها حياتنا .
إن مبرر احتكار الدولة للسلاح و اﻻكراه يعود الى التزامها بفرض السكينة و النظام العام في الشوارع و داخل المساكن في المدن و القرى واﻻرياف ، وهو وسيلة ضمن اخريات لتجسيد المفهوم النظري للسيادة على اﻻقليم ، وﻻ يختلف اثنان أن السجين هو أضعف المخلوقات على اﻻطلاق ، وأكثرها تجريدا من القوة وعزﻻ عن الحياة ، وأعجزها عن أي ضغط اللهم ما يكون عادة من استخدامهم للاضراب عن الطعام كوسيلة ﻻستدرار العطف اﻻنساني ، لكن المعتقل في سجوننا بدى قادرا على التواصل عبر الوسائط المتعددة ، ومن يدري ربما يخرج من حين ﻵخر في وقت من الليل او النهار ﻻبرام صفقة او حضور وليمة او لعقد قران ثم يعود لوضعه ، و بالتالي هو يمارس كل مفردات الحرية وبشكل اكثر من الطلقاء ، وفي وضع كهذا تبدوا السجون عندنا عصية ضمن الكل متماهية معه في مجرات التناقض ، و متمنعة عن أن تكون سجون قادرة على حجز السلوك اﻻجرامي و تحقيق الحماية من مخاطره ، و منع انتشار عدواه و علاج اصحابه من افكارهم الضارة ، بل ان اﻻدهى ان يتحول السجن الى قلعة عسكرية وحصن منيع يتربع السجناء على عرشه ، قادرون على الحاق اﻷذى والضرر ببعضهم و بكل الكتائب والفيالق المجهزة حين تتحرش بهم ولو بلطف ، ويظل هيجان اﻻرهابيين في وجه العدالة واعوانها ، ووثبتهم القوية لفرض احترام احكام القضاء مفارقة كبيرة ، و غموض يكتنف هذا التحول ويطرح بقوة فرضية وجود ارهابيين حقوقيين في وجه اكثر السلطات ارتباطا بالحقوق وهي السلطة القضائية .

بقلم الشيخ التجاني عبود

في هذا القسم أيضاً

30 كانون الأول (ديسمبر) 2018 – الحق ابلج و الباطل لجلج ..

4 حزيران (يونيو) 2017 – كلمة في حق مولاي

27 آب (أغسطس) 2016 – مجرد خاطرة .. مجرد خاطرة ..

23 تموز (يوليو) 2016 – الـ"فاعور" اللبناني الذابل

23 آذار (مارس) 2015 – خواطر معتمر...


تابعونا على تويتر فيس بوك




فيديو

‏سافرت مع فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزوانى الى السعودية،ورافقته في الانشطة الخاصة بالعبادة،بمكة المكرمة،والمدينةالمنورة،وأيضا اجتماع الجالية،وقد أبان عن أداء متميز بالاخلاق، والتواضع،والانسانية،كما هي عادة كريم الاصل،"
ولكن كريمُ الاصل كالغصن كلما..تحمّل أثمارا تواضع وانْحَنى"




PUB

افتتاحية

الحق ابلج و الباطل لجلج ..


كلمة في حق مولاي


مجرد خاطرة .. مجرد خاطرة ..



مقالات

دعوة إلى الحكومة و الأحزاب السياسية و المجتمع المدني/بقلم السفيرالتجانى محمد الكريم


ثقوبٌ على جدران الخطاب... / عيسى ول أعليت


"عند الشدائد تذهب الأحقاد" / الأستاذ الدكتور إزيدبيه ولد محمد محمود