الشركة الموريتانية لتوزيع الأسماك
 
الصفحة الأساسية » مقالات » لن أنتجع في تنيكي "مهمهة الكمد و الاحزان"

لن أنتجع في تنيكي "مهمهة الكمد و الاحزان"

21 كانون الأول (ديسمبر) 2016     20:08      


agrandir

منذ ان سقطت تلك الأيقونة من عليائها في القرن العاشر الهجري تشتت الأهالي بين البقاع مودعين في الصخور و الاطلال قصصا شتى من العطاء الثري و البناء الاسيل و حكايات خالدة عن الغطاريف و اشاوس العزة و السؤدد ، و عن جهابذة اجلاء نذروا انفسهم لخدمة العلم و الانسان ، منذ ذلك العهد و التاريخ يروي شهاداته على اربعة عقود كانت تنيكي خلالها مصباحا يضيئ سماء المغرب تماما كما كانت القاهرة شمعة المشرق في ذلك الزمان ، هجر الأهل بتاريخهم ربعا جزموا بشؤمه و تواضعوا كابرا عن كابر على ذلك مورثين نظرتهم لاجيالهم اللاحقة و إلى اليوم ، لم يؤثر عنهم قط شوق للمكان رغم حفاوة التاريخ بألقه قبل الحادث المشؤوم ، فقد طلقوا الأرض و احتفظوا بالحكايات المبسوطة عن البسالة و الاقدام ، و عن اصطبلات الخيول و نقعها في ميادين السباق و عن أنواع السيوف و المجانيق و عن الاحتراف و الجنون في القتال ، و عن مجالس الاقضية و العلوم و الاقفية و المتون ، و عن التجارة و فنون الحياة و التعمير .
تفرق الاحبة عن حضارتهم و انسلخوا من أرضهم مشتتين في الهيماء و البيداء ، مستنكفين عن موقع روي من دمائهم حتى امتلأت جداوله و سالت اوديته ، تغربوا و ارتحلوا ، و أبد المكان و اجدب بعد أن كان آهلا أغل ، و باتوا يترنمون في ظعنهم بمقولات غاضبة و محققة بأنها ارض هالكة و مشؤومة ( أخرب من تنيكي )
و رثناهن عن آباء صدق و نورثها اذا متنا بنينا

ان من عادة الانسان ان يمتلأ بالحنين و ان تحركه الأشواق إلى أفضل محطات تاريخه و ان يرقص و يحتفي و ينكسر و يبكي حسب مناسبة الذكرى و المكان ،
و لما كانت تنيكي لوعة الم و شجى فانه لا يصادف قوانين الفطرة و لا الوفاء لروح الأحداث و لا لأحكام التاريخ ما يقوم به بعض ( الإخوة ) اليوم و منذ اعوام من تعلق غير مفهوم بإحياء ارض تتشكل حصاها من الدماء و ترمقك قبورها شزرا و ترميك بريبة العقوق و الخذلان .

اتفهم سر عزوف هؤلاء - اذا ما تم - عن بعض الذكريات المحفوظة في ذاكرات الاحياء و التي تعج بالبطولات و بالامجاد التي كنا نصغي اطفالا لسردها حين يسدل اليل ستاره و نهوي لمضاجع النوم ، اذ لا روعة وقتذاك تضاهي حفظ الأمهات و الجدات لاساطيرها الرائعة ، و لا شيئ أكثر متعة من تحلقنا و نحن اطفال نسمع حكاية العم و تربه لمحطات من تاريخ بطولي سطر فيه الأجداد و الاعمام و أبناؤهم ملامح مجد اثيل و جادوا باروائحهم الزكية هناك في تكانت و في اكريكل و في مواقع أخرى من اركيبة و افطوط و لعصابة و الحوضين ، لكن مع الايام و كلما ابتعدنا عن أعمار الطفولة ادركنا حجم الحساسيات و المحظورات التاريخية التي تدفع للاحجام عن التداول في تلك الأيام و حتى ذكرها و لو تلميحا لما قد يشي به من فتح لصفحات من الخلاف طواها الزمن ، ومن إساءات إلى اخرين باتت الإلفة و المودة تجمعنا بهم ، و في ضوء ذلك لا استسيغ من هيئة تنيكي عدم الاكتراث بهذا المنطق التحفظي بين ذوي الأرحام و الافراط في النفس و هوان التاريخ لديها لدرجة تدفعها إلى الاحتفال الجماعي المستفز للذات المشتركة .

لا شك ان لهذه القبيلة تاريخ بيني مضيئ - طويل و عريض - و فيه من السعة و الكفاية ما قد يصلح لأهداف الهيئة اذا كانت مجردة من اعتبارات و سياقات خاصة بتلك المنطقة ، و هذا التاريخ الموسر ليست بدايته تنيكي و لا هي نهايته ، فاذا كان الاهتمام بها مجرد عناية طاهرة و بريئة بالتاريخ ، فإن اساليب المنهجية تقضي بأن يتوجه ( الإخوة ) أولا إلى اليمن او إلى منطلق تاريخ العشيرة لتحريره و بعثه و الوقوف على محطات مسار رحلة كانت غاية في الإغواء البحثي و المرور على تشكل المرابطين و قيادتها لجيشهم و كشف مضاربها في الاندلس و دور تجكانت في مراكش قبل سقوط دولة المرابطين و نزوح القبيلة إلى تنيكي، و ربما تكون بداية العناية و الاهتمام منهجيا في حاضر المرحلة الحالية و من اي جهاته شاؤوا من آفطوط او اركيبة او تيندوف صعودا مع التسلسل الزمني إلى بداية النشأة و التشكل ، و عند الوصول إلى مرحلة تنيكي فلا ريبة حينذاك ، لكن الشبهة تطل برأسها و تطيح هامة حسن الظن بهيئة اختارت لنفسها دون مبرر وجيه او سبب واضح مرحلة وسطى من تاريخ أمة ، و خلافا لأي منهج سليم او عادة بحثية معتبرة قفزوا برحل ملتبس و مغمغم الى حلقة مليئة بالحساسيات المشتركة و بالجراح النازفة .

ما اجمل الفكرة اذا كان اللقاء و العناق بين دماء قسمتها المآسي إلى اوطان وشتتتها الأقدار في العديد من البقاع هي هدف ذلك الحشد و الاحتشاد ، و ما احلى الوصال و مصافحة الإخوان و انهاء عهود القطيعة و النسيان بين الارحام ، لكن حصول ذلك على اديم تنيكي سيفسد مشاعر الزهو و يذيبها و ربما مدعاة لا قدر الله لاستبطان فسائل الانحياز العصبي و احياء الوهن في النفوس ، لأن فسيفساء المكان فرصة لاستذكار المحنة و المعاناة و استدعاء تاريخ قضى و انتهى ، إذ يتنافى مع المنطق السوي ان يكون الاحتفال في المقابر و الانتشاء جنب الاموات ، كما أن الاقربين اولى بالاحتضان و لازم ذلك ان تكون ايادي الاخاء لاصحاب الهيئة ممدودة اولا للاقرب فالاقرب .
تحياتي

آدو ولد ببانه