الصفحة الأساسية » مقالات » قراءتى فى مقال الدكتور ازيد بيه

قراءتى فى مقال الدكتور ازيد بيه

13 تشرين الأول (أكتوبر) 2017     07:11      


agrandir

قبل أسبوعين كتب أخونا الأكبر ازيد بيه ـ ( إزيدن كما نسميه نحن أهله وذووه ) ، حفظه الله ورعاه ـ مقالا بعنوان ((ملاقاة الرجال لقاح العقول ))
وقد نشر المقال فى مواقع عديدة وتداوله القراء على نطاق واسع ، ونال إعجاب الكثيرين ( من العامة والخاصة ) على حد تعبيرالكاتب
وقد كنت أيام صدوره فى شغل من أمرى فقرأته ( قراءة جريدية ) عابرة كما يقال ، ولكن انتباهى ـ بادئ الأمر ، وعند القراءة الأولى تركز حد الإنبهار ـ على الجانب المتعلق بالوالد ـ رحمه الله ـ وقصته مع الدكتور محمد المختار بن اباه ، حفظه الله ، وهذا مربط الفرس ، ومدار القول ، وإن كان المكتوب جملة أعجبنى أسلوبا وعرضا وموضوعا ومنهجا وثراء ، بل وإثراء ...
((... كان أديبا أريبا حسن الطلعة جميل الهندام ... ))
كما قال الدكتور محمد المختار ، ولا غروإذا كانت العلاقة بينهما حميمة وصادقة فقد قيل : ( قل لى من صديقك أقل لك من أنت )، وقد ورد فى هذا المعنى أكثر من قول مأثور مشهور ، فجازى الله عنا خيرا الدكتورعموما وجازاه عنا خصوصا ، وقد حدثنى إزيد بيه أكثر من مرة بهذه القصة ، وأنا أعى تمام الوعي ، وأدرك كامل الإدراك كم كان والدى ينزل الناس منازلهم ، وكم كان حريصا على العلاقة مع الخواص ، وإن كانت علاقته مع الجميع تنبنى على التقدير والاحترام إذ ينطبق عليه تمام الإنطباق قول الشاعر الكبير : محمد الامين بن ختار يمدحه :
ما هو بالجافى البعيد ولا الذى * يدنو الى من كان غير مسالم
كان ـ بحق ـ شخصية مميزة بكل المعايير و المقاييس سواء تعلق الأمر بالمظهر أم بالمخبر، كان رجلا شهما ، صبورا ، ذو إرادة صارمة ، وهمة قعساء ، يحب معالي الأمور ، ويسعى إليها ، وهذه فقط بعض السجايا والمزايا التى كان يمتاز بها ولولا خشية الاطالة ، ونهمة المبالغة لأطنبت ولبالغت ...
أذكر أنه ـ خلال مرضه ـ قبل أن يغادر إلى الخارج للعلاج ترك مبلغا ماليا عند أحدهم لعق مولود أحد الأقارب الذى بقي على ميلاده عدة أشهر ، ويؤكد هذا ما حدثنى به صديقه المخلص ابعالى بن آكجيل ـ رحمه الله ـ عدة مرات فذكر أنه كثيرا ما كان يوصيه بالاهتمام بالمناسبات ، وأن لا يدع فرصتها تمر دون أن يهتبلها ، وقد تبنيت هذه الوصية ـ ما استطعت إليها سبيلا ... وأوصى من أحب ، ومن يهمنى أمره بتبنيها
وأذكر أنه ـ رحمه الله ـ أوصانا عدة مرات ـ حد الالحاح ـ خلال فترة علاجه خارج البلاد بسداد ستمائة أوقية كان قد نذرها ليعقوب بن الشيخ سيدي ، وقد سددناها لأول باحث عن (( شيء ليعقوب )) فقد كانت ـ إذن ـ المبلغ اليتيم المستحق عليه رغم كثرة المتطلبات ومحدوديية المصادر ، وهذا ـ لعمرى ـ أمر يستحق التوقف مليا ...
ذات مرة بعثنى ـ وإن شئت قلت ، خرجت فى طلب إحدى المواد الغذائية الضرورية المعروفة ، وكان الوقت صباحا ، فلم أعثر عليها إلا بعد لأي ، وبحث مضن ، فلما عدت متأخرا بعض التأخير سألنى قائلا : لو لم تجدها ما ذا كنت فاعلا ؟
فأجبته على الفور : لولم أجدها لما عدت فاستحسن هذا الجواب وسر به كثيرا . والشاهد قوة الإرادة والتصميم على تحقيق الغاية والوصول إلى الهدف ، وكنت على يقين بأن جوابى سيكون له وقع فى نفسه ، وكانت تلك غايتى بغض النظر عن قناعتى ، وعن مدى مطابقة ما ذهبت إليه للواقع ...
مدحه الشعراء فى حياته ورثوه بعد وفاته ، والرثاء مدح الميت ، فهذا الشاعر الكبير ، والاديب الذى لا يبارى : محمد الأمين بن ختار ـ رحمه الله ـ يمدحه بقصيدة عصماء تربو على ثلاثين بيتا يقول فيها :
زار الخيال من ارض أم القاسم * وهنا فأيقظ نومة من نائم
زار الخيال مبشرا بقدومها * أهلا به من زائر أو قادم
إلى أن يتخلص من المقدمة الغزلية فيقول :
فصددت عنه مذ عرفت صدودها * نحو الفتى الشهم الجنان الكاظم
بكرت تلوم على الصدود ومدح من * يشرى المديح لدى الندى بكرائم
أبناء خالى هم الاولى شهد الورى * بسخائهم وهم رؤوس عمائم
من رام شأوهم البعيد من الورى * تبت يداه وكان غير مزاحم
حاز الكمال لهم ونظم شملهم * أكرم بحائز ذا الكمال الناظم
يا لائمى فى حب عبد الدائم * ما أنت أول لائمى يا لائمى
أتعبت نفسك إننى لم أنزجر * عما مضى من عهده ه المتقادم
هنئت من رأس ترأس فانثنى * برياسة محفوفة بمكارم
إلى أن يقول :
ما هو بالجافى البعيد ولا الذى * يدنوغلى نت كان غير مسالم
دامت مواهبه ودام نواله * إذ كان غير الله ليس بدائم
وفرت عرضك بالجميل تكرما * ليس الموفر عرضه بالنادم
وبنيت من عز المكارم والندى * بيتا رفيعا ما له من هادم
ولبست من حلل المكارم حلة * ما إن يبارى زيها بالناعم
وجعلت عرضك للأنام مقسما * وحفظت عرضك من كلوم الشاتم
وهذا الشاعر والأديب الأريب :الشريف : مولاى أحمد بن مولاى ـ رحمه الله ـ يرثيه بقصيدة عينية من عيون الشعر . أذكر أنه كان مسافرا إلى الحوض ولما علم بوفاته وبقدومنا حضر على الفور ، وقصد منزلنا قبل ان يصل إلى منزله وهو متعب والتأثر باد على محياه ، ولكنه كان متماسكا ، وبعد أن حيانا على عجل وقف ، والقى مرثيته الرائعة ، وقد كانت تربطهما علاقة حميمة اساسها التقدير والإعجاب المتبادلان
أما القصيدة فيقول فيها :
ان النعاة بنعيهم قد زعزعوا * أمن الفخار وركنه قد صدعوا
لله ما من زفرة جاشت به * وسط الحشا وتقاسمتها الاضلع
رزء أصاب العالمين جميعها *آن السماع وشاب منه المرضع
يا مفجعى بنعي عبد الدائم * أنعيت أعظم فى الخطوب يدرع
أنعيت أكرم سيد ويمينه * تكسى العراة ببذلها والجوع
وفى موت أحمد للورى تسلية * هل بعد أحمد فى البقا من يطمع
يا رب إن فقيدنا قد جاءكم * ضيفا ببابك إذ لديك المرجع
فاحسن قراه بما يؤمن خوفه * وبجاهكم فى ضيفكم نتشفع
ولتكسه من سندس ولتسقه * من كوثر أكوابه قد تترع
وقد بقيت منها أبيات .
وإذا استقرأنا القصائد العينية فإننا سنلاحظ أنها غالبا ما تكون آسرة ، من ذلك مثلا ، قصيدة أبى ذؤيب الهذلي فى رثاء أبتائه ، والتى يقول في مطلعها :
أمن المنون وريبه تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يفجع
ومنها قوله :
وإذا المنية أنشبت أظفارها *ألفيت كل تميمة لا تنفع
ومنها :
والنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا ترد إلى قليل تقنع
ومثل عينية الشيخ سيدى محمد بن الشيخ سيدي التى يقول فيها :
يا معشر البلغاء هل من لوذعى * يهدى حجاه لمقصد لم يبدع
إنى هممت بأن أقول قصيدة * بكرا فأعيانى وجود المطلع
لكم اليد الطولى علي إن أنتم * ألفيتموه ببقعة أو موضع
فاستعملوا النظر السديد ومن يجد * لى ما أحاول منكم فليصدع
وحذار من خلع العذار على الديا *ر ووقفة الزوار بين الاربع
ويختمها بقوله :
من كان مسطاعا له فليأته * وليقن راحته امرؤ لم يسطع
والجل من شعراء أهل زماننا * ما إن أرى له فى ذا من مطمع
وهى قصيدة طويلة رائعة تمثل الوعي النقدي عنده .
أما القراءة الثانية للمقال فقد كانت متأخرة نسبيا ، ولكنها كانت قراءة (( نقدية )) متأنية فاحصة ، وأكثر ما لفت نظرى ، وأثار انتباهى ـ خلال هذه القراءة ـ هو حرص الدكتور على الاستطرادات المفيدة ، واقتناص الشوارد ، والابحار بالقارئ بأمان لصيد الفوائد العلمية النافعة ، بل والنادرة أحيانا ، وهذا ما ينبغى للكاتب ان يتبناه ويتغياه . أما القارئ فإنه يحرص عليه ويتمناه . ومعلوم أن العرض كثير والطلب كثير أيضا ولكن بانتقائية ومفاضلة ...
وسأعرض نماذج مما ذكرت ، مع ما تيسر من التأصيل على سبيل المثال ـ وعند المثال يتضح المقال ، كما يقال :
ـ ((... وكثيرا ما نسمع أن كبار العلماء يحثون أبناءهم على تعلم أدب المشايخ قبل علمهم ... ))
ـ (( ... ولم تنزله منزلته )) ( انزلوا الناس منازلهم ) رواه ابو داود
ـ (( ... وأن تقضى فائتة مطلقا ... )) ( وجب قضاء فائتة مطلقا ) كما يقول خليل
وما أجمل أبيات الحسني : محمدن بن السالم :
نزيلك فامنى أبدا أذاه * نزيل غير مرهوب المصال
ضعيف لا يخاف البطش منه * عفيف لا ىسب على النوال
قراه إذا ألم بأرض قوم * مفاكهة اللبيب من الرجال
ولا غرو إن قال حسني شعرا جميلا ، وخاصة فى مثل هذه المواقف والمناسبات التى ربما تبعث على القول من ليس بشاعر أصلا
وهنا أستميحك عذرا ـ أيها القارئ الكريم ـ باستطراد هذه الابيات الشهيرة الجميلة للمتنبي ـ الشاعر الذى ملأ الدنيا وشغل الناس ـ للفائدة والعبر ة وهي تتقاطع مع ابيات الحسني فى أكثر من وجه وإن على مستوى الشكل
يقول المتنبي :
نصيبك فى حياتك من حبيب * نصيبك فى منامك من خيال
رماني االدهر بالأرزاء حتى * فؤادي فى غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتنى سهام * تكسرت النصال على النصال
وهان فما أبالى بالرزايا * لأنى ما انتفعت بأن أبالى
ـ (( ... وقد صدق أبو تمام حين قال :
ولولا خصال سنها الشعر ما درى * بغاة المعالى من أين تؤتى المكارم ))
ـ (( ... وقديما قيل : إذا عرف السبب زال العجب )) ( مثل معروف )
ـ (( ... وستكون براعة استهلال هنا موكولة إلى المتنبئ كما هي عادتي ودأبي معه :
وقد وجدت مكان القول ذا سعة * فإن وجدت لسانا قائلا فقل ))
ـ (( ... لا تسمع منه إلا التنافس بين أصناف بغاث الطير وهي أكثرها فراخا :
بغاث الطير أكثرها فراخا * وبنت الصقر مقلاة نزور ))
ـ أما قوله : (( ... أما البصر فإذا أردت النجاة بنفسك فعليك أن تغضه فيحيلنا إلى قول الباشا البيضاوي :
من جاء باريس واستجلى روائعها * ولم يغض من الطرفين ويلته
فكم قتيل بها يمشى على مهل * لأن عين المهى أحسن قتلته
وهى قصيدة رائعة مطلعها :
لا تنس من شعرك المختار غيلته * وانشر إلى صحف التبليغ رحلته
ـ (( ... وكنت أتأمل التضاريس التى علت الرغوة فى الفنجان ( الحرون والنجاد ) ... فقد رأى ضيفنا أن القهوة لا تشرب على عجل
القهوة أخت الوقت تحتسى على مهل
القهوة صوت المذاق
صوت الرائحة
القهوة تأمل وتغلغل فى النفس والذكريات
وهي تتقاطع مع الشاي فى الضوابط والشروط المطلوبة فيه والتى أقلها عين الجيمات الذى يتمنى محتسيه ليلا ( كواكب شدت بامراس ) على حد رأي الشاعر ... ))
( يقول امرؤ القيس ـ وإن كان المعنى هنا يتناقض مع ما ذهب إليه الشاعر ولكن الامر يتعلق بالليل وطوله فى كلتا الحالتين :
ألا ايها الليل الطويل ألا انجلى * بصبح وما الاصباح منك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومه * بكل مغار الفتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت فى مضامها * بأمراس كتان إلى صم جندل
ويقول النابغة الذبياني فى نفس المعنى :
وليل أقاسيه بطيءالكواكب * تطاول حتى قلت لست بمنقض
ـ (( ... وأحيلك إلى معاناة الشعراء من طول الليل ... )) (سبق التأصيل لهذا المعنى وإن بتحكم )
ـ (( ... حين يجتمع الهم ويكون الركب أشتاتا ... ))
ـ (( ... وبالمناسبة فأنا سمي هذا الشيخ إذ طلب خالى محمد بن انداه من والدته ( جدتى من أمى ) رحم الله الجميع أن تطلق علي اسم هذا الرجل ، وقد أقنعها بأنه رجل صالح وأن سيكون لى بعض الحظ من هذا الاسم ... ))
المقال صيغ باسلوب راق ، وعاطفة صادقة ، ومنهج سليم ، ورؤية ثاقبة ، ولا غرو ، فهكذاعود الدكتور قراءه وطلابه دوما
لنتأمل مثلا :
ـ (( ... أما البصر فإذا أردت النجاة بنفسك فعليك أن تغضه . ناولنى النادل فنجانا من خلاصة البن الممزوجة بقليل من الحليب ، وكنت أتأمل التضاريس التى علت الرغوة النافرة فى الفنجان ... ))
ـ (( ... وقد آويت إلى ركن من هذه التحفة المعمارية يمكن صاحبه من رصد الأشخاص جيئة ورواحا ... ))
ـ (( ... ولا أخفى عليك ـ عزيزى القارئ ـ أنى كنت أكاد أخرج من مسام جلدى بفعل القشعريرة ليس لأنى نجحت فى الاإمتحان ولكن لأن هذا خالى وابن عم أبى ... ))
المقال تحدث بصدق ووفق ـ حد النهاية ـ عن شخصيات علمية ، وعامة كانت لها أثروتأثير يذكر فيشكر ويحفظ وينشر فمابالك بشخصيات منها آبه بن اخطور ؟ !
حفظ الله أخانا الأكبر إزيد بيه وأبقاه ذخرا وذكرا وفخرا لنا
هذه ــ فقط ـ شذرات حاولت اقتناصها ، وقطرات أردت امتياحها ليبقى مجال (( قراءة المقال )) مفتوحا رغم قول أبى حيان التوحيدي : (( إن الكلام على الكلام صعب ))
وفى الختام أستأنس بقول امحمد بن أحمد يوره :
لو ساعد الوقت وساعد الروى *لقلت غيرذا وما تغنى لوى
والله ولي التوفيق

مولاى بن عبد الدايم

في هذا القسم أيضاً

17 كانون الأول (ديسمبر) – بشرى سارة أزفها إلى مدير الإذاعة المقال!

15 كانون الأول (ديسمبر) – شكرا لاترامب

4 كانون الأول (ديسمبر) – هل وصلنا مرحلة الشعب يريد ؟

2 كانون الأول (ديسمبر) – قبسات من حياة الطبيب الإنسان القدوة / حمّاد ولد أحمد

30 تشرين الثاني (نوفمبر) – تَوْضِيحَاتٌ حَوْلَ لإِصْلاَحِ النًقْدِيِ الجَدِيدِ